لم يرتكب أيمن منصور ندا جريمة الخيانة الكبرى حتى تُشرع له الأقلام، وتنتفض لوحات المفاتيح، وتعلو الحناجر، لرجم رجل مارس حقه الطبيعي ككاتب ومواطن في تناول شخصيات عامة مصرية تعمل في المجال السياسي منذ سنوات طويلة، نجحت وأخفقت، أخطأت وأصابت، مثل كل البشر هنا وهناك، وليس من بينهم قديسون ولا ملائكة.
ليس مطلوبًا من أحد أن يتفق مع الدكتور ندا، ولا أن يتبنى أفكاره أو يوافق على كل ما يكتبه.
الاختلاف معه حق، وانتقاد آرائه حق أصيل لكل من يمتلك الحجة والقدرة على الرد. لكن ما ليس مقبولًا هو أن يتحول الاختلاف الفكري إلى محاولة لإسكات الرجل أو الحجر على قلمه.
أيمن ندا ليس شخصية طارئة على المجال العام، بل أستاذ أكاديمي وباحث في الإعلام والرأي العام، وله إنتاج علمي وصحفي ممتد، ونشر مقالاته في إصدارات صحفية كبرى، وتناول فيها قضايا الإعلام والرأي العام والسياسة الإعلامية بالنقد والتحليل.
والأهم أن الرجل اختار، في لحظة كان فيها كثيرون يفضلون الصمت، أن يرفع صوته بالنقد. ففي عام 2021، نشر سلسلة مقالات انتقد فيها أداء عدد من الإعلاميين والسياسات الإعلامية، وتحدث بوضوح عن مشكلات رأى أنها تضرب حرية الإعلام ومهنيته، واصطك مصطلح «إعلام البغال».
أثارت كتاباته آنذاك جدلًا واسعًا، وانتهى الأمر إلى التحقيق معه ووقفه عن العمل، ثم القبض عليه واحتجازه خلف القضبان.
اختلف فكريا وسياسيا مع الدكتور ندا واكاد أن أكون على الضفة الأخرى مما يؤمن به، واذا كان خيارا بينه وبين حمدين صباحي فبكل تأكيد سأكون في الجانب الذي يختار "صباحي".
قد نختلف مع لغته، وقد نرى أن بعض أحكامه كانت قاسية، أو أن بعض استنتاجاته تحتاج إلى مراجعة.
وهذا طبيعي في أي نقاش عام. لكن الرد على المقال يكون بمقال، وعلى الفكرة بفكرة، وعلى المعلومة بمعلومة.
أما أن يصبح الحل هو المنع أو التخويف أو إسكات صاحب الرأي، بل ويمتد إلى اتهام الرجل بالعمل على هدم الرموز خدمةً للنظام وتقربًا إليه، فهنا لا يعود الأمر متعلقًا بأيمن ندا وحده، وإنما بمبدأ أوسع بكثير، هل نريد مجتمعًا متعدد الأصوات، أم مجتمعًا لا يسمع فيه المواطن إلا الصوت الذي يرضى عنه أو يرضيه .
حتى الذين كتب عنهم ندا أو اختلف معهم يملكون المنابر والأقلام والهواتف ووسائل التواصل، ويستطيعون الرد عليه وتفنيد ما تناوله وكشفه وهدم ادعاءاته.
لقد كتب ندا نفسه أن من أوجه أزمة الإعلام المصري غياب الحرية وضعف المهنية، معتبرًا أن الإعلام ينبغي أن يكون شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد منفذ للتوجيهات.
لذلك، فإن الدفاع عن حق أيمن ندا في الكلام لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل ما قاله، إنها ببساطة دعوة إلى قاعدة واحدة: لا تحاربوا الرأي بمنعه، بل حاربوه بالرأي.
ارفعوا أيديكم عن الرجل، واتركوه يحرك المياه الراكدة في مجتمع متكلس، ويكفينا ديكتاتورية الأنظمة، فلا تفرضوا علينا استبداد المعارضة؛ فالكلمة لا تُهزم بالحجر عليها، وإنما تُهزم عندما تواجه كلمة أقوى منها.
حزن الختام:
بلاش يابني ترسم مشاعرك كلام
بلاش والسلام
بلاش ترزع الورد وسط المداين
دا زرع الورود في الميادين حرام
بلاش واحترس.. عيون العسس
بترصد خطاوي اللي رايح ينام
بلاش تنكوي زي عمك امام
--------------------------
بقلم: علي إبراهيم






